شكّ الشمس
عندما تكون على مشارف الخمسين
وتجد نفسك واقفاً بيدين فارغتين أمام مستقبل غامض بالكاد يبدأ مكتظاً بالمحتملات الكئيبة فتبدو كمن قطع الطريق كله من ذلك الأمل ليصل إلى هاوية
فترفع عينيك لخشبة الباب الشاهق
نكهة الرعد
فجأة صار انتصاري خشباً في النعش ، صار النعش باب
وتساءلت عن الموت / هل الريح طريق ، والتراب
كيف .. ؟ / هذا شجر الدهشة في ثوبي
البقايا
ما الذي يبقى لنا
أشياؤنا المغدورة الأحلام،
ليل الناس ، تقويم النهاية، غبطة الثكلى،
أحفاد ينهرون الصمت
تدفــقوا من صخرةٍ تشتعل، لتراكم الأرض بقفطاناتكم القرمزية وتلمس أطرافكم، تحزمون المدن بشكيمة الحجر، تقودون الشجر والدواجن والفراشات والنحل والمناديل مبللةً بالحزن، تحرسون الظلال الهاربة والأحلام المذعورة في نوم الأطفال، تقودون الساحرات بقمصانٍ هلهلتها وحشة الغابة. راياتكم كوفية البيت وثيابكم حزنٌ ثاقبٌ. موشحون ببسالة الذاهب نحو تخوم الخريطة وفجوة الأرض. غزاةٌ أليفون لأوهامنا. نمشي في خديعةٍ سافرةٍ. جرجر الضباع أجسادنا نحو الجب ، في وحشة الصحراء وسفن التيه من سيسعف صخرة النار.
بقفطاناتكم القرمزية، رايات الوقت، تنقذون الماء من السكينة وتكرعون نبيذ الهجوم لتفزع المدن المستسلمة بنواقيس أفراسكم الرشيقة، مدنٌ تجرعت عارها هزيمةً هزيمةً. تذهب عن القتال متدرعةً بالتعاويذ ونصوص السقيفة، مذعنةً لرغبة الموت كأنها تموت. كنا نقول عن الأفق فيما نتضرع للجثث علها تنتصر لنا وتصد عنا الهوام منسولةً من الكبح تتراكم مثل تمائم الوهم نظنها الأوسمة فإذا هي وشم أعضائنا الذاهلة. سقيفةٌ تتفاقم حول الأرض بعرسٍ باذخٍ. نصدق سرادق الفضيحة منصوبةً فوق الضحايا، تنهض كل ليلٍ من الكفن والمراقد الأبدية تـقض شراشف أحلامنا واستسلام رؤانا. جديرون ببشارة الشخص وحنين القرمز وشبق الكائنات. تخرجون على خريطة الأرض. تخبطون مدناً أسلمت قيادها لأكثر الطغاة أناقةً وتيهاً ومباهاةً. تصيرون بريد الفزع لأكثر الشعوب اطمئناناً لسجنها.
في حضرة المليكة
كنت في حاشية المليكة
أرفع ذيل قفطانها إذا مشت، وأعدل وسادة الريش لظهرها إذا استلقت على أريكة. وما إن تنظر إلى دورق النبيذ حتى أسرع ساكباً في القدح شيئاً من الروح. أصف أمامها الأواني لكي تطال أصابعها ما تشتهي، لا أدع الكأس تفرغ، وليس للخبز أن يكون عصياً على لؤلؤها الكريم.
هكذا جلست في حاشية المليكة
راهبات في غفلة الكاهن
افتح صندوقك الذهبي، واسكب الجرار على آخرها.
دع الأرض تنتشي ببسالة نبيذك
سحرٌ سرقته لك راهبات الدير في غفلة الكاهن .
الأكاذيب كلها
جسدٌ يمتزج فيه الحديد بالملح، يخترق الوقت والمكان في جحيمٍ يضعك تحت وطأة البهو. لا تطالك طبيعة الناس ولا يعود الكلام خاضعاً. مألوفٌ تخرج عليه في مشهدٍ يشبه لحظة امتثال الشيء للشكل، يتخلق في حمـأة الأنين. فضاء أخلاطٍ تتقلص فيه الأطراف ويصير للسماء الخشنة كتابٌ وللحديد فص يتطوح في عنقٍ تحرسه قرونٌ سودٌ ترسل ألسنةً من شواظٍ، والباب ينفرج في شكل أجنحةٍ، لكأن الكائن يوشك على الأوج، فينفض جسده كمن يطرد عناكب عالقةً ويميل ويعطف.
هذه أرضٌ كـلمت بها.
ألـج فيها الموصد، فأصل جنوب الناس. أصل. وحيث أضع نظري يكون قتلاً كثيراً وصلباً وخوازيق. ليس بين هذه الأرض وأحلامي صلةٌ، ليس بينهما علاقةٌ ولا أمل .
يسافر و يسهر
1
يـؤثث طريقه بأشباحٍ في رهافة الريح. حوذي يغتاظ لضراوة الغبار حول مواقع خيله. ما كان له أن يغفل عن رعشة الغريب. غريبٌ سهر الليل يملأ الأفق أحلاماً ومناديل. بينه وبين الطريق بوصلةٌ ثملةٌ وأسرى مجللون بالبياض. حوذي يسأم لامبالاة الفرس بغرتها الشقراء، وتلويحة الوداع الواهن يغري أشباحه بسهرة السفر عند منعطف المجرات. يضع في قميصه القديم نقوداً مثقوبةً بنسيان الدول وذاكرة الناس. كتب الليل حتى منتهاه، قاد عربات السهوب ومحطات الثلج، وعندما شغفت به سفيرة الغابة ترك الخيل ومواهب السفر، محتقناً ببريد النوم، حيث الكتب بلا ذاكرةٍ ولا نسيان، يضع جسده تحت شرفتها، ويحصي أقداحاً تسكر الغابة وتفيض بغيبوبة المغادرين. لم يكن وحيداً، لكنه لم ير أحداً سواه. مشغوفـةٌ به قادماً في خشب العربات المجنونة أفراسٌ تهشل به بلا رأفةٍ ولا مكان. حوذيٌ أرعن مثل هذا جديرٌ بأشباحٍ في دماثة الغريب وهو يمعن في التيه، يرى الذئب الحزين فيصاب بالغبطة. لأجل هذا هجر خشبته المـقطورة بالريح، غفل عن سفيرة الذئاب، مأخوذاً بوردة الجوع.
قمرٌ صغيرٌ
ما إن انفجرتْ المدينةُ بالحشود، وتحاجزتْ الكائناتُ الصغيرة مثل أقوام شتَّى. حتى تَقفَّصَتْ الأرواحُ الغضّةُ في أجسادِها لفرط المباغتة. فرأيتُ قمري الصغير مرتعشاً في عريشة الغيم. يَلُوبُ في سقيفة الكون مثل نَمِرٍ أليفٍ في الذعر. يذرع المجرةَ بين الجرح والمطاردة وذريعة العمل.
قمرٌ صغيرٌ مثل قنديل البيت. كلما تفاقمَ الاحتدامُ في الأقوام وتمزَّقتْ المدينة، توهجَ الألمُ في أجنحتِه المهيضة، وشَحُبَ ضوؤُه واكتنزتْ روحُه بالانكسار والمَشَقَّة. تَضيقُ الجدرانُ على جسده الباسل، وتَقصُلُ روحَه المستوحشة رماحٌ غامضةٌ.
قمرُنا قائدُنا في جوقةِ البكاءِ في النهار والليل.
ملوك
من أين جاءَت كلُ هذه الملوك دفعةً واحدة، في أرضٍ صغيرةٍ. يبحثون عن شعبٍ على سعتهم، يقيسونَ به الوقتَ ويضاهون الأرضَ به.
صبراً على وحشٍ بلا خوفٍ ولا ضغينة،
على موتٍ بلا ألم.