موسيقى مرئية

وأنا أستمع إلى الموسيقى، تنفتح حولي حدائق، فتصير النغمةُ زهرةً أسمعها بعينيّ. للصوت صورة، وللصورة صوت متدرِّج متموِّج…أَبعد من مجاز أدبي. يَخْرُجُ القرنفل من أحواضه، و ينتشر على طاولات المطاعم الراقية لتعويض الغريب عن خسارة منسية، أو للإمعان في تدريب المُنْتَظِرِ على مفاجآت القادم. وليس على النرجس من حَرَجٍ إن أطال الاستماع إلى أغنية الفرح في الماء، وظنَّها أغنية مديحه. أَمَّا الزنبق الأبيض، إذا اتسع الصالون لرائحته الشاسعة اللاذعة، فإن خواطره تضلِّلني، على عكس البنفسج الذي يوقفني على تقاطع صوتين يتداخلان و يذوبان في تشابه الدموع بين عرس و جنازة… وعلى عكس شقائق النعمان المكتفية بغناء الهامش الفسيح على سفوح الرَعَويَّات. كل هذا لأقول: إن الوردة الحمراء موسيقى مرئية. وإن الياسمين رسالة حنين من لا أَحد إلى لا أحد!

كما لو كان نائماً

صحا من النوم دفعةً واحدة. فتح النافذة على ضوء فاتر و سماء صافية و هواء معافى. تحسَّس جسده، عضواً عضواً، فوجده سليماً. نظر إلى الوسادة ولم يرَ شعراً تساقط في الليل. نظر إلى الملاءة ولم يرَ دماً. فتح جهاز الترانزستور ولم يسمع خبراً عن قتلى جدد في العراق و غزة و أفغانستان. ظنَّ أنه نائم، فَرَكَ جفنيه أمام المرآة و تعرَّف إلى وجهه بسهولة. هتف: أنا حيّ. مشى إلى المطبخ لإعداد القهوة. وضع ملعقةً من العسل في كأس الحليب الخالي من الدَّسَم. رأى على الشرفة كناريّاً زائراً يقف على حوض زهور نسي أن يسقيها. قال للكناريّ: صباح الخير، و نثر حوله فتات خبز. طار الكناريّ وحطَّ على فَنَنِ شجيرة وغنَى. مرة أخرى، ظن أنه نائم. نظر إلى المرآة ثانية و قال: أنا هو. استمع إلى نشرة أخبار جديدة. لا قتلى جدداً في أي مكان. فرح بهذا الصباح الشاذ. قاده الفرح إلى طاولة الكتابة وفي باله سطر واحد: “أنا حي بالرغم من أنني لا أشعر بالألم”. كان ممتلئاً بشغف الإنشاد لصفاءٍ بِلَّوْريّ هبط عليه من مكان بعيد: من مكانه هذا! وحين جلس إلى طاولة الكتابة وجد السطر مكتوباً على ورقة بيضاء: “أنا حيٌّ على الرغم من أنني لا أشعر بالألم”. لم يظن هذه المرة من أنه نائم. كان متأكداً من ذلك!

وجوه الحقيقة

ألحقيقةُ أُنثى مجازيّةٌ
حين يختلط الماءُ والنارُ
في شكلها

لم أكن معي

محدقاً إلى السقف، واضعاً يدي على خدِّي، كمن يتلصَّص على فكرة بيضاء، أو يتربص بإشراقة وحي. أَنْتَبِهُ بعد ساعات إلى أنني لم أكن هناك في السَقف ولا هنا على المقعد، ولم أفكر بشيء. كنت مستغرقاً في اللا شيء… في الفراغ الكلي الكامل، منفصلاً عن وجودي، جاراً لعَدَمٍ غيرِ متطفِّل، وخالياً من الألم.
لم أحزن ولم أفرح، فلا شأن للّا شيء بالعاطفة، ولا شان له بالزمن، لم توقظني يَدُ ذكرى واحدة من غيبوبة الحواس. ولم توقظني خشيةُ الأقدار من نسيان الغد. إذ كنت، لسبب ما، متأكداً من أنني سأحيا إلى الغد. لم أسمع صوت المطر يكسِّر رائحةَ الهواء في الخارج، ولا الناياتِ تحمل الداخل وترحل. كنت لا شيء في حضرة اللا شيء. وكنت هادئاً، آمناً, مطمئناً. فما أجمل أن يكون المرء لا شيء، مرة واحدة، مرة واحدة… لا أكثر!

الحياة…حتى آخر قطرة

وإن قيل لي ثانيةً: ستموت اليوم، فماذا تفعل؟ لن أحتاج إلى مهلة للرد: إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنت ظمآن شربتُ. و إذا كنتُ أكتب، فقد يعجبني ما أكتب و أتجاهل السؤال. و إذا كنت أتناول طعام الغداء, أضفت إلى شريحة اللحم المشويّة قليلاً من الخردل و الفلفل. و إذا كنت أحلق، فقد أجرح شحمة أذني. و إذا كنت أقبل صديقتي، التهمت شفتيها كحبة تين. و إذا كنت أقرأ قفزت عن بعض الصفحات. وإذا كنت أقشِّر البصل ذرفت بعض الدموع. و إذا كنت أمشي واصلت المشي بإيقاع أبطأ. وإذا كنت موجوداً، كما أنا الآن، فلن أفكِّر بالعدم. وإذا لم أكن موجوداً، فلن يعنيني الأمر. وإذا كنت أستمع إلى موسيقى موزارت، اقتربتُ من حيِّز الملائكة. وإذا كنتُ نائماً بقيت نائماً وحالماً وهائماً بالغاردينيا. وإذا كنتُ أضحك، اختصرتُ ضحكتي إلى النصف احتراماً للخبر. فماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا بوسعي أن أفعل غير ذلك، حتى لو كنتُ أشجع من أحمق، و أقوى من هرقل؟

ربيع سريع

مَرَّ الربيعُ سريعاً
مثل خاطرةٍ طارت من البالِ
قال الشاعر القَلِقُ

غيمة ملونة

وأَنا أَغسل الصحون ، أمتلئ بفراغ منعش وأَملأ الوقت بفقاعات الصابون . لماء الحنفيَّة إيقاعٌ يفتقر إلى آلة موسيقية. أُصاحبه بصفير متقطّع ، و بمقطع من أغنية شائعة لا شخصية لها . أَلهو بالرغوة الشبيهة بغيمة تلمع فيها ألوانٌ موسميَّةٌ وتنطفئ . أُمْسِك الغيمةَ بيديّ و أوزِّعها على الصحون والكؤوس والفناجين والملاعق
و السكاكين . تَنْتَفِخُ الغيمة كُلَّما سالت عليها قطراتُ الماء. أحفِنها وأُطيِّرها في الهواء فتضحك لي، و أزداد امتلاء بفراغي . لا أفكِّر بشيء كأني ظهيرة لا مبالية. لكن صُوَر ذكريات محايدة تهبط من مكان بعيد إلى حوض الماء ، ذكريات لا تجرح و لا تفرح ، كنزهة في حرش صنوبر، أو كانتظار حافلة تحت المطر، فأغسلها بحرصِ مَنْ يحمل إناء من بلّور أدبي . و حين أتأكد من أنها لم تنكسر تعود سالمةً إلى مصادرها الأولى في حرش صنوبر، و أبقى هنا. أَلهو برغوة الصابون ، و أسهو عمَّا ليس موجوداً. أنظر برضا إلى ذهني الصافي كزجاج المطبخ ، و إلى خُلُوِّ قلبي من الشوائب كصحن مغسول بعناية. و حين أحسّ بأني امتلأت تماماً بالفراغ المنعش، أملأ الفراغ بكلمات لا تخصّ أحداً سواي : بهذه الكلمات!

أرض فضيحة

أرض ضيقة هي تلك الأرض التي نسكنها و تسكننا. أرض ضيقة لا تتسع لاجتماع قصير بين نبي و جنرال. وإذا تعارك ديكان على دجاجة و على خُيلاء ، تطاير ريشهما على الأسوار. أرض ضيقة لا حميمة فيها لنكاح بين ذكر الحمام و أنثى الحمام . أرض فضيحة . أرض صفراء الصيف ينقر الشوك فيها وجه الصخر لتزجية الوقت ، حتى لو قالت قصائدنا عكس ذلك ، و أمدَتها بمختارات من أوصاف الفردوس لإشباع جوع الهوية إلى جماليات. و نحن ، رواةَ ما تحتاج إليه البداهةُ من وثائق رسمية و شعرية ، نعلم أن السماء لن تتخلَّى عن أشغالها الكثيرة لتدلي بشهادتها . أَرض ضيّقة… و نحبها. و نظن أنها تحبّنا أَحياء و موتى . نحبها ، و نعلم أنها لا تتسع لضحكة الفاجر، ولا لصلاة الراهبة ، ولا لنشر الغسيل بعيداً عن فضول الجيران ، و لا تتسع للسطر الرابع عشر من سوناتة مترجمة. أرضٌ ضيِقة لا ساحة فيها تكفي لمعركة حقيقيّة مع عَدُوّ خارجيّ، و لا قاعة تسع المجتمعين لصوغ ديباجة عريضة عن سلامٍ كَذِب. و مع ذلك ، أو لذلك ،… يقولون إن أحد الآلهة الضجرين اختارها كهفاً للخلوة ، أو الاختفاء عن المتطفلين الذين سرعان ما سرقوا قرون أكباشنا ، و استخدموها سلاحاً لإبعادنا عن باب الكهف المُقَدَّس !