بحر يحزّ الكاحلين

كلما ضاعوا برملِ ملوكِهمْ رَدُّوا بعكسِ التِيه:
هل قالَ طرفةُ حزنَه المائيَّ
كنا مُسرعينَ. وكانَ جرحٌ. والغبارُ يضللُ الرؤيا

حانة شهلاء

ليست ساقيةً في حانةٍ. هي امرأةٌ تُحسنُ صقلَ الأقداح باللطف، وسكبَ الراح بالظرف، وملاعبة أرواح المولعين باللهو والعبث. وَرَثَتْ الحانةَ من أبيها وأتقنتْ عنه المِهنةَ وبَزَّتْ أمَها في الجمال والحيلة. فلم يبق شاعرٌ مَرَّ الحيرةَ إلا زارَ «حانة شهلاء» و تولعَ بها. ولا عاشقٌ إلا تدلَّه بغنجها. حتى قيل: ليلتان في الحيرة تغنيان عن العمر الباقي. ليلةٌ في هوائها وليلةٌ في هواها»
وكانوا يَعنُونَ حانة «شهلاء» بهوى الليلة الثانية.
فما إن انتهى طرفة من كأسِه الثالثة حتى التفتَ إلى «المتلمس» قائلاً: يا متلمس، أظنكَ ستذهبُ إلى ملكك وحدك.

الوشاية

رُويَ أنه لما طار غضبُ الملكِ عمرو بن هند شَراراً، التفتَ إلى المتلمس الماثل أمامه، يسألُه عن ابن أخته المترفِّع المتمنِّع عن البلاط دونَ سائر الشعراء. ولما كان في سؤالِ الملكِ غيظٌ لم يرحمْ النفس الصغيرة التي ينطوي عليها المتلمس، شَعرَ هذا أنَّه ليس في مقدورِه حمل وزرَ طرفة في حضرة ملكٍ تفجَّرَتْ نيرانُ غضبِه، وليس لأحدٍ الصبر على أسبابه. قيلَ إن المتلمس في ذلك الموقف تشبَّثَ بتلابيبِ كيانِه الهشّ، وصَفَـنَ برهةً محملقاً في مَنْ حوله، محدّقاً في الوجوه المسمّرة عليه. ثم استجْمَعَ أشلاءَ روحِه التي بَدَتْ كأنهّا تتفَسَّخ في مسكنها، وتتحدَّرُ من بدنِه. ثم بدأ ينهضُ من جثوتِه ببطءِ المذبوحِ كمنْ عزمَ على أمرٍ ذاهبٍ به لا محالة. وما إن اكتملتْ وقفتُه وخرجَ من صفنَتِه، استدارَ على عقبيه دورةً كاملةً، ماسحاَ بنظره الوجوهَ الشاخصةَ، لكي يصلَ أخيراً بعينين ذاويتين إلى الملك، الذي كان يرقبُ من مكانه لحظةَ التحولات العنيفةِ، التي كان المتلمس يكابدها بقدرٍ محسوسٍ من العويل المكتوم. فيما يكمل دورته، كأنه يريدُ أن ينتقلَ بكاملِ كيانِه وحواسِه، من كوكبِ الشِعرِ إلى حضيضِ الوشايةِ، مستعيناً بأقصى ما يمتلكه من فذلكةِ الطهاةِ الدهاةِ، وهُمْ يُولِمُونَ بأقربِ من يَحِبّونَ في مائدة أقصى مَنْ يَرهَبُونْ. ورُويَ عمَنْ جاوَرَ موضع المتلمس في تلك الوقفة، أنه سَمعَ ما يُشبُه صوتَ زُجاجٍ يتهشَّمُ، صادرٍ عن جسد المتلمس ويتحَرك حوله، في حَتٍّ وفي شظايا، وأن صَريراً انبثقَ لحظتها من أعطافِه، يُضاهي صريخَ الكواحلِ منحولةً بفعل صليلِ أصفادٍ باهظةٍ حول العظام البشرية، وقيل إنَّ بعضَهم سَمِعَ المتلمس يكتمُ صوتاً غريباً هو مزيجٌ من النحيب والتضرَّع، فيما يُخرِجُ رقعةً مُهَـلْهَـلةً من ثنايا قفطانه ويرفعها في فضاء الأحداق المترقبة، كمن ينشر أرشيفاً حائلَ اللون والطبيعة، متوجهاً بجماع حضوره إلى الملك:
«مولاي، لا أعرف كيف تكترثون بشاعرٍ مثله كل هذا الوقت، وهو الذي قالَ فيكم وفي آلِكم ما تمنعني الخشيةُ من مجرد ذكره في حضرتكم».
فهبَّ الملكُ ناهضاً في تخته:

سعي المنايا

تلمستُ آثارَ أقداميَ الشاردات إلى الشام
خشيةَ أن يطالَ الرمادُ كتابَ الأمل
تلمستُ أن يسمعَ مني صديقُ الطريق ويلوي عنان الخيال

شظايا في الرمل

هائمٌ،
عينان رمليتان. من أين جاء إلى أين يذهب. مشردٌّ سحقتْ أعضاءه كائنات الحنين. يتقدم بعينين محتقنتين لفرط الغبار. الحجر الضاري. يتعثر بقفطانه الطريّ عابراً أقدم المدن تضرعاً وأكثرها عتمة، باحثاً عن النجمة الضائعة. الرحيل حقيقته ودفتره مشحون بالتآويل. بالوهج المجهد في عينيه. يهم بالمديح فتطيش فلذات الهجاء في وجوه الملوك بلا فهرس ولا إشارة. حكمته فضيحة الخزف وهو يشفُّ تحت وطأة الجحيم. ليس ثمة مدينة تحسن القراءة ولا كتباً تشمل النشيد. عينان رمليتان لفرط التحديق في المفازات. أين يضع قدمه في أرخبيل الضباب. كلما طرقَ باباً اندلعتْ قصيدةٌ واشتعلتِ الكلمات في القمصان والقصص. كلما وضع قدميه الداميتين بالذعر في طينٍ يابسٍ تَفَجّرَ ماءٌ وانبثقتِ البقولُ والتراتيل.
يهرب، فتسبق الفصولُ خطواته. يترك أثرَه في العائلة ويتقمَّصُ السفر نحو أمكنةٍ وأوقاتٍ ليس لها خططٌ ولا أدلاء. هذا الذي هو في حلٍّ من البيت، له في كل خطوةٍ صِفةٌ ومعنى. يفيض على الآنية ويترنح خارجَ القبيلة ويخلبُ الناسَ. يحجبونه عن الماء والفئ في ظهيرة الرمل ويمنعون الفتية المأخوذين عنه. فيأخذه التحديقُ حتى يَطفُر الدمَ من عينيه. عيناه قنديلتان منذورتان للمحو. سهمانِ يذرعانِ المسافةَ بين البؤبؤ وبهجةِ الخيل.

طفولة الوقت

وقال لها :
إن الطفل الذي سترينه ساعة قتلي
هو وقتي الباقي المستمر بعد الموت

هاتوا النبيذ

خطّ كلمته الأخيرة في منتصف السطر، في عين الورقة، في المسافة بين الحبر و الدواة. بسط ريشته العليلة على خد الورقة، رفع رأسه بتثاقل الحالم وقال لهم:
هاتوا النبيذ.
اجتاحت أجساد الحرس رجفة الدهشة.

حقّ "ليلى"

بعد طرفة بزمن يأتي شاعرٌ يدعى عمرو بن كلثوم يقبل ما رفضه طرفة. شاعرٌ من «تغلب» يسعى لدى بلاط الحيرة وعند الملك عمرو بن هند نفسه، من أجل النظر في معالجة خلافٍ نَشَبَ بين قبيلتيّ «بكرٍ» و«تغلب». يكون لذلك الشاعر أن يؤكد مجدداً أن الملوك لا يقبلون شاعراً يرى غير ما يرون. ولا يتجاوزون شاعراً يستنكف المديح في حضرتهم ويجلسُ عنه. وقيل أن عمرو بن كلثوم سبق له أن تأخر متكبراً عن ارتياد بلاط الحيرة، بل أنه حين قَصَدَ الملك لم يأت مادحاً ولا ساعياً لغاية شخصية، بل جاءَ في ما يشبه المهمة السياسية كلَّفه بها قومه، مما جعل عمرو بن هند يضغن عليه، حتى قيل أنه من جهته قد عمل على استدراج الشاعر ليعرّضه لمهانةٍ في أمه «ليلى» فينتقم من كبريائه. الأمر الذي جعل الشاعر يثأر لكرامته وينقضّ على الملك ويقتله في قصره. وتلك روايات لا تزيدُنا إلا ثقة في أن الأسطورة التي لا تتوقف عن صياغة تاريخٍ يظل قيد النظر وإعادة النظر. تاريخٌ يمنحنا الثقة في شكِّنا. لكأن الشاعر عمرو بن كلثوم سيقول لنا لاحقاً:
«لقد كان عليَّ أن أتعظَ بدرس طرفة. فلم يكنْ من الحكمة الذهابُ إلى ملكٍ قَتَلَ شاعراً. هل كنتُ أردُّ التحية المتأخرة لشاعرٍ متقدم؟».

الشاهدة

عُثِرَ على شاهدة قبرٍ في «هجر» بالبحرين. تاريخها الميلادي 563 . كُتِبَتْ بخطٍ نبطيّ يابسٍ في خمسة أسطر. تقول: «دُفنَ هنا طرفة بن العبد البكريّ. لم يظلم أحداً. ظلمه أهله. وغدرتْ به قبيلته. استنارَ بالشعر في حياته واستجارَ به في مماته. تم قتله بأمر ملكٍ في زمنه».
كشفَ هذه الشاهدة ذئبٌ كان يُنَقِّبُ في ظاهر القفر. وقرأها شاعرٌ نائمٌ في حلمٍ، في ليلٍ طويل، فاستحال الحلم إلى نحيبٍ يغنّي الشاعرَ القتيل ويرثيه.. ولم يزلْ.

صحراء/ بلاد

ماذا أسمِّي هذه الصحراء،
وهي تدورُ بي وتدير أخلاطي،
وتمحوني كما يمحو الغبارُ حروفَه.