الذريعة
قيل،
فلما استحكمتْ حلقات طرفة عن يدِ عمرو بن هند ولم يطقْ صبراً عليه، وتيقنَ أن شاعراً مثلُه لن يمتثلَ لسلطة ملكٍ مثلَه، ولن يسكت عليه، ناهيك أن يسعى إلى مديحه، اجتمعتْ لدى الملك الأسبابُ التي تجعله يرى في الشاعر المتمنع عن بلاطه خارجاً عن كل سلطةٍ وكل عُرفٍ وكل قانون. فلكأن عمرو بن هند يرى في الشاعر سماءً بعيدة عليه، لا يطالها ولا هي تنظر إليه.
قيل،
فهرس النزوات
كنتُ في الحيرة. في حاناتِها
في القصيِّ الخفيِّ من الرمزِ. ممّا تأبّى على القتلِ
حيث الغيومُ التي امتزجتْ وانتهتْ في يدِ الله
مهندس الدسائس
ثمة رواية تقول إن قبيلةَ «بكر» اجتمعتْ على أن تطلبَ من طرفة أن يكون رسولها إلى بلاط «الحيرة». يسعى لدى عمرو بن هند الملك، بالدفع إلى استرضائه، للنظر بعين العدل إلى حال حيِّهم، زاعمين لطرفة أن ذلك من صُلب مهمات الشاعر في قبيلته. وليس من اللائق أن يتخَّلفَ عن ذلك، وعليه أن يرافق المتلمس الذي ظل يقصد بلاط الحيرة منفرداً. غير أن طرفة استنكر طلبَ «بني بكر» واسترابَ في مقاصدهم، وهُم الذين صنعوا به ما صنعوا. فلما أبلغ أمَّه بما يريده القوم. صرختْ برأسٍ محسورةٍ :
«يا ويلهم ويا ويلكَ معهم. إنهم يبعثون بك إلى مكيدةٍ دبروها مع الملك، فخذ حذرك من الجميع».
قيل فلم يذهب طرفة إلى الحيرة إلا لاهياً في حاناتها، أو ساعياً لتعلم الكتابة. وقيل إنه لم يزر بلاط الملك. فقد أدرك أن «بني بكر» لم تكن لتريد إنصافاً من عمرو بن هند، وهي من بين أكثر القبائل صلةٍ بالملك. ولديها من الامتيازات ما جَعلها شريكاً كاملاَ مع ملوك الحيرة، في اللطائم التي تجوبُ جزيرةَ العربِ والشامِ بالتجارةِ، الذين كانوا يحكمون ويملكون في آنْ. ولأن طرفة لم يقصد بلاط الحيرة، اعتبره عمرو بن هند شاعراً متكبراً ينزعُ إلى تمردٍ يصلُ حدَّ الاستهتار. وهذا سلوكٌ لم يعهده ملوكُ «الحيرة» ولا يقبلونه ولا يصبرون عليه. فما كان من الملك إلا أن حرّض «بني بكر» على شاعرهم، وزيّن لهم المزيدَ من الامتيازات والعطايا عندما يستكملون معه تلفيقَ ما يؤدي إلى النيلِ من الشاعر، بما يشي بأن طلب بني بكر من طرفة الذهاب الى بلاط الحيرة لم يكن سوى مشاركة واضحة في مؤامرة القصر لإخضاع الشاعر.
غربة الغيم
كلما توغلتُ في الغيم شَحَّ الزادُ في القبيلةِ وازدادَ النسلُ في الملوكِ وازدحمَ الجندُ بالمناكب وضَجَّ صليلُ الأسلحةِ في المداخل غيمٌ كريمٌ يشفُّ أكثر مما يخفي يلهمُ الغريبَ بالبيتِ ويشدُّ الغربة عليه
آلة الشاعر
تنوء بي ثم تخفُّ مثل هودج مثل موجٍ وهي مركب الكون طيفٌ لا تطاله سلطة لا يجمعه ملك ولا يمنعه وحدي لها امرأة في المرايا كائنٌ يغمر الروح لا يصيبها العطبُ ولا تبلى
كأنّ الحرف طفلك
تعلمتُ الكتابةَ قبلَ أن أُحصي شروطَ الموتِ
صارتْ جنتي لغتي.
وجَدّي قادني في الأبجدية مثلَ مشكاةٍ.
من الله
لم أكنْ في مكانْ
كانت الريحُ تنتابُني
والقوافلُ تسعى لقتلي على مهلِها
توأم الدم
كلما جاءَ راوٍ زادني شِعراً وقالَ روايةً أخرى عن القتل المبكر
لم تَعُدْ ترنيمةً تكفي لمرثاةٍ
بكتْ زنزانةٌ وتذكرتني شبهةُ الأسماءِ.
أرى الموت فيها
أتقرّى.
هذه طريقي إلى الموت
تلمستُ أحجارَها
شهادة الغائب
نصُّ شهادةٍ واحدةٍ وحيدةٍ. اختلقها المتلمسُ في رواقٍ معتمٍ من الملابسات. لكي يشيرَ إلى مرافقة طرفة له في بلاط الملك. زاعماً أنه لم يكن هناك وحده. رواية هي على قدرٍ من الخِفَّة والخُبث وسوء الطوية. لماذا وجبَ على المؤرخين الثقة والأخذ بهذه الرواية بوصفها الشهادة الناجزة، دون أن يتعثروا بما يشوب أفكارَها ولغتها من الافتراء والمبالغة الخرافية وقصد الإساءة، بما لا يليق بوصف رجل لابن أخته المفترض. فما بالك بوصف شاعرٍ شاعراً آخر. بل إننا نكاد نرى في وصف المتلمس لطرفة باعتباره شخصاً يتخلَّجُ بحركة القيان، لا رجلاً معتداً بنفسه، جريئاً واثقاً في رجولته ومكانته في الشعر والحياة.
لكن يبدو لنا فعلاً أن طرفةَ لم يكن هناك
وأن المتلمس كان قد ذهبَ، إذا كان حقاً قد ذهب، وحدَه. سَعياً إلى العطايا وحدَه. تحَمَّلَ المهانةَ وحدَه. حَمَلَ رسالة الغدر بمفرده. وليس أدلُ على ذلك من أن الرواة قد تناقلوا القول، الذي ذهبَ مثلا، على تلك الرسالة بوصفها «صحيفة المتلمس»، كناية عن ذهابِ المرء إلى حتفهِ بنفسه، ولم تذكر الصحيفة مقرونةً بطرفة وهو الأشهر شعراً ومكانةْ، يفترض أنه قد حَمَلَ صحيفةَ القتل ذاتَها. لكن يبدو أن المتلمس قد بَيَّتَ نيةَ الإساءة إلى طرفة، وتصوير الحكاية على أنها قد جمعتهما معاً، لئلا يبدو وحيداً في سياق سَعيه إلى بلاط الملك.